محمد حامد جمعة
محمد حامد جمعة يكتب:أغسطس 8
اذكر هذا اليوم جيدا . كنت في العباسية . خرجت في وقت مبكر اقصد حي الضباط . ارد الماء . ودعت حائط اسرة (ياجي) ورمقت شارع بعض ال الصلحي . وجنوبا مني كان منزل آل جلي . كان هذا الاخير مثل القلعة من استحكامات البناء والإغلاق . واذكر اني حين بلغت خور اب عنجة لاحظت ان بالمكان هدوءا غير معهود وهو في برتكولات تلك الايام يعني ان هناك نذر معركة . فعدت ادراجي وما ان استقبلت اول الطريق بالعودة جنوبا . لعلع الرصاص واندلقت السماء بالرصاص من كل الجهات . لزمت حائط من الجالوص . بعض الرصاص كان يمر اظن من حواف خدي . او هكذا خيل لي . فزعت لبرهة ثم تذكرت برتكول اخر مفاده الرصاصة التي تقتلك لا تسمع صوتها وحيث اني اسمع فهذا يعني انها قد (جلت) !
2
اشتد الرصاص . اظن ان الجيش كان يتقدم من تجاه بانت ومركز الضو ححوج الى الشمال حيث (العباسية) . عادة تكون المليشيا في هذه الاحوال مثل الكلب المسعور . والمتوقع انهم سيتسللون في الشوارع داخل الحي . وحظك التعيس سيجعلك بين قوسي القتل والاسر ان صادفوك حينها بالشارع . تيقنت اني قطعا مقتول لاني سمعت ضجيج اصواتهم . لحظتها خرج مواطن . رجل كهل . عليه فقط بنطال وفانلة داخلية . اظن ان منزله يمتد على فضاء شارعين يربط جهتين . صاح بذعر ..ادخل سريع . ثم اشار باصبعع بما معناه ان العدو بالطرف الاخر من الشارع . جررت قدماي وانا ازحف من الجهة المقابلة اليه . اجر معي (باغة) الماء الخالية . حتى بلغته فقال لي زاجرا انت مجنون دا يوم تطلع فيه . ثم بعجالة عرف نفسه ومن معه بالمنزل واقترح لي صلة قرابة لادفع بها ان اقتحم هؤلاء الطغاة منزله _وهو لا يعرفني ولا اعرفه _ واجلسني بصالون رفقة بعض ابنائه . وصاح قبلها في اهل بيته من النساء (موية وشاي) ! وهل تصدقون ان جلب هذا من حيث حوش الحريم للديوان كان يتطلب الانخفاض والمضاراة .
3
كان الديوان او الصالون به نكهة ماضوية محببة . التلفاز الملون القديم . توزع الصور المكبرة وبعض الوشاحات . نسق الحقائق على سقف الدولاب . مكتبة عريضة يغلب عليها ثنائية تجمع اغلفة عليها صورة المهدي وكارل ماركس والتفسير المحيط . لزمت الصمت . ثم دار الحديث الذي عزلنا عما حولنا . تركيبة السودانيين المحيرة في دلق كيمياء التآلف . كان مدخلها صورة كبيرة او لوحة زيتية لشاب جميل الجبهة والعينين . قال مضيفي ان هذا شقيقه الراحل وهو زول كورة وغناء وكان من كبار مشجعي نادي الناصر الامدرماني . كان مضيفي الكهل يمد لي كوب الشاي ويقسم ان اطلب اكلا ان كنت ارغب . قال مازحا بالطبع لا نملك سوى العدس لكن خالتك العملت الشاي دي بتعمل عدس عالمي . كنا نتحدث يسكتنا فقط تلك (الصافرة) السابقة لدوي تفجر دانة . وما حرت فيه ان الرجل بدا كخببر مدفعية . كان يقول هذه ارسلت من حي الامراء وستقع في خور ابو عنجة وتلك من ميدان الربيع وعلى الارجح سقطت في فريق ناس عائشة العباسية او حواء الطقطاقة ! ثم يرتشف رشفة من الشاي ويصيح باسم العيال الليلة الرجفة شنو شاي ما ياهو . ثم يضحك وهو يتامل السقف العتيق للمنزل يقول عارفين لو دقت علينا .. سجم اماتكم كلكم
4
بعد نحو ساعتين . خرجت ومعي تحذيرات مشددة من مضيفي الذي ودعني بعد ان ملا لي (باقة) خذ حذرك . وتخير الشوارع الميتة الى ان تبلغ منازل ناس (عربي) وبالفعل فعلت لكني وقعت في كمين من العدو انتهى بنزع الماء ودلقه امامي و(جلدت) بعد ان لامس رصاص تحت قدمي اصابعي وتسبب لي بجرح استمر معي لاشهر . وكل هذا بسبب انه واثناء تسللي وجدت عناصر من المليشيا يكسرون بناء ظنوه دكانا ! بسبب علامة لافتتة بيبسي . فصاح كبيرهم (ما شايفنا شغالين ) ! فاعتذرت بسري معليش يا دكتور ! واظن ان كبيرهم ايقن بشكل ما اني قلت بسري قولا غير مناسب . فاقبل نحوي ومزق قميصي من جهة الكتف . يتحسس ترقوتي . كطبيب عظام . قبل ان يفلتني بعد ان تحلق حولي انصاره كأنهم يجسون عليلا لصورة اشعة . كانت نفسي تتدفق سخرية بداخلي حتى كدت اضحك . كل ثانية ارغب في الصياح والله دكاترة بس . انها سخرية المأساة لاني حينما عدت كنت ارجو فقط سانحة امان للحصول على كمشة فول في ذاك اليوم العصيب.
منقول من صفحة الكاتب على “فيسبوك”
قد يعجبك ايضا
تعليقات
