تقرير : عثمان عبدالهادي
كشف تقرير حديث صادر عن مختبر الأبحاث الإنسانية بكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأمريكية عن أدلة دامغة تؤكد تورط إثيوبيا المستمر في دعم العمليات العسكرية واللوجستية لمليشيا الدعم السريع وحلفائها في ولاية النيل الأزرق السودانية، مستنداً إلى تحليل دقيق لصور الأقمار الصناعية التي رصدت توسعاً عسكرياً ملحوظاً داخل قاعدة أصوصا، وحركات إمداد متواصلة، وهجمات مسيّرة استهدفت المدنيين والبنية التحتية، مما فاقم الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
▪️ رصد استخباراتي
أكد تقرير مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل الأمريكية، والصادر في الخامس من نوفمبر، استمرار الأنشطة العسكرية واللوجستية المكثفة داخل قاعدة أصوصا الإثيوبية. واعتمد الخبراء على مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين نهاية أكتوبر ومطلع نوفمبر بأرشيف صور سابق، ليخلصوا إلى أدلة قاطعة تثبت تقديم إثيوبيا إسناداً استراتيجياً ومباشراً للعمليات الميدانية التي تنفذها مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها في ولاية النيل الأزرق.
▪️ توسع البنية
أظهرت الصور الملتقطة للقاعدة الإثيوبية توسعاً هندسياً وبنًى تحتية جديدة أُضيفت منذ منتصف سبتمبر وحتى مطلع نوفمبر. وتضمنت الأعمال إنشاء مساحات خرسانية واسعة، وتركيب أسقف لمباني ضخمة، واستخدام حفارات ثقيلة، مما يعكس تحويل القاعدة إلى مركز لوجستي رئيسي لإدارة العمليات العسكرية العابرة للحدود وتخزين المعدات الحربية والمؤن الموجهة للميليشيات المتمردة في الداخل السوداني.
▪️ شحنات مشبوهة
ووثق التقرير تزايد أعداد حاويات الشحن داخل القاعدة بنحو ثلاثين حاوية في المرحلة الأولى، تلتها إضافة خمسة وعشرين حاوية أخرى على الأقل. وفي سياق متصل، رصد المراقبون هبوط طائرات شحن ضخمة من طراز “IL-76” في مطار أصوصا في أيام متقاربة، وهي رحلات جوية أثبتت مصادر الاستخبارات المفتوحة ارتباطها المباشر بدولة الإمارات العربية المتحدة التي تقدم دعماً لوجستياً متواصلاً لمليشيا الدعم السريع.
▪️ مركبات الإمداد
زكشف التحليل الفني لصور الأقمار الصناعية عن وجود أربعة وخمسين مركبة قتالية خفيفة، غالبية ساحقة منها مطلية باللون الأبيض، داخل قاعدة أصوصا. وأشار الخبراء إلى أن هذه المركبات تخضع لعمليات تجهيز وتمويه وطلاء قبل دفعها نحو خطوط المواجهة في جبهات النيل الأزرق، فضلاً عن رصد عشرات شاحنات البضائع والمقطورات المزدوجة المحملة بالعتاد الحربي واللوجستيات الموجهة للميليشيا.
▪️ اعتداءات الدمازين
على الصعيد الميداني والمباشر، وثق التقرير الأمريكي بدقة الأضرار الفادحة التي خلفتها هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت أحياء سكنية مدنية في مدينة الدمازين. وتركزت تلك الاعتداءات الإجرامية في حي الزهور، وسوق السبعين، وحي العالية، متسببة في تدمير ممتلكات المواطنين، واحتراق مساجد وأسواق صغيرة، وسقوط ضحايا أبرياء من المدنيين، في انتهاك سافر لكل القوانين والأعراف الدولية.
▪️ استهداف المقرات
وامتد العدوان الممنهج ليشمل منشآت ومواقع تابعة للقوات المسلحة السودانية في مدينة الدمازين ومحيطها؛ حيث رصد التقرير أثار سقوط ذخائر جوية ومسيّرات قرب المطار العسكري، وأضراراً بالغة في مقر فرقة المدفعية 44، فضلاً عن تدمير مبنى حيوي على محيط قاعدة الفرقة الرابعة مشاة. وتؤكد هذه الشواهد تورط الأطراف الإقليمية الداعمة في السعي لشلل القدرات الدفاعية للجيش السوداني.
▪️ سقوط سالي
وأكد التقرير التحليلي تدمير المعسكر العسكري التابع للجيش السوداني في منطقة “سالي” الاستراتيجية الواقعة على طريق الدمازين-الكرمك، وذلك بين التاسع والعشرين من أكتوبر والرابع من نوفمبر. وتطابق هذا التوثيق مع إعلانات السيطرة التي أصدرتها مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، مما يعكس التمشيط والتنسيق الميداني المشترك بين المتمردين لقطع خطوط التواصل وإحكام السيطرة على مناطق التعدين الحيوية.
▪️ ممر الكرمك
رصد التقرير وجوداً عسكرياً كثيفاً لمليشيا الدعم السريع في مدينة الكرمك الحدودية، شمل حشد أكثر من عشرين مركبة قتالية خفيفة وأرتالاً عسكرية على الطرق الرئيسية. كما وثقت صور الأقمار الصناعية عمليات تسوية وتطوير للطرق وإصلاحاً لجسر الكرمك، مع ملاحظة تطابق ألوان المركبات مع تلك الموجودة في قاعدة أصوصا، مما يثبت أن الكرمك تمثل شريان إمداد رئيسياً للميليشيا.
▪️ كارثة النزوح
وأسفر هذا التصعيد العسكري المدعوم إقليمياً عن كارثة إنسانية بالغة التعقيد في ولاية النيل الأزرق؛ إذ وثق التقرير ظهور أكثر من 800 مأوى جديد للنازحين في الدمازين وحدها خلال شهر واحد، وتكوّن طوابير طويلة أمام محطات الوقود جراء انقطاع التيار الكهربائي. وارتفع إجمالي النازحين في الدمازين لتجاوز 45 ألفاً، بينما تجاوز نازحو المحليات المجاورة 120 ألف شخص منذ بداية العام.
▪️ إدانة موثقة
عموماً.. يُشكل هذا التقرير المستقل حجة قوية وإدانة دولية واضحة تفضح الدور التخريبي الذي تلعبه الأراضي والمناطق الحدودية الإثيوبية في تغذية الصراع بالسودان. ورغم أن الصور الفضائية لا تحدد تفاصيل حمولات الشحنات بدقة مطلقة، إلا أن تلازم الأنشطة اللوجستية في أصوصا والكرمك مع الهجمات الإرهابية على الدمازين يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك حجم التورط الخارجي في استهداف استقرار الدولة السودانية ومواطنيها.
